الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

439

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

في هذا المقطع من الآيات يجر القرآن المشركين في الواقع إلى المحاكمة ، وبالضربات الماحقة للأسئلة المنطقية ، يحشرهم في زاوية ضيقة ، ثم يبين تفسخ منطقهم الواهي بخصوص شفاعة الأصنام . في هذه المجموعة من الآيات ، خوطب الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) خمس مرات ، وقيل له : ( قل ) لهم . . . وفي كل مرة تعرض الآيات مطلبا جديدا يتعلق بمصير الأصنام وعبادها ، بشكل يشعر معه بأن ليس هناك عقيدة أفرغ ولا أجوف من عبادة الأصنام ، بل لا يمكن أساسا تسمية هذه العبادة ( عقيدة ) أو ( مذهبا ) . في الآية الأولى يقول تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ( 1 ) ولكن اعلموا أن هذه الأصنام أو الشركاء لا يستجيبون لدعائكم أبدا ، ولا يحلون لكم مشكلة ، ثم تنتقل الآية إلى عرض الدليل على هذا القول ، فيقول تعالى : لأنهم لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير . فلو كانوا يستطيعون شيئا لكان لهم أحد هذه الأوصاف الثلاثة : إما مالكية مستقلة لشئ في السماء أو الأرض ، أو على الأقل مشاركة مع الله في أمر الخلق ، أو معاونة الخالق في شئ من هذه الأمور . في حال أن الواضح هو أن " واجب الوجود " واحد لا غير ، والباقون جميعهم " ممكن الوجود " مرتبطون به . ولو قطع الله تعالى نظر لطفه عنهم لحظة لأحلهم دار البوار والعدم . واللطيف هو قوله تعالى : مثقال ذرة في السماوات والأرض ، فموجودات لا تملك في هذه السماء اللا محدودة ، وهذه الأرض المترامية الأطراف ما يعادل " مثقال ذرة " ، فأي مشكلة يمكنها حلها لنفسها ، ناهيك عن سواها ! !

--> 1 - في الحقيقة إن في الجملة مستترين : الأول بعد " زعمتم " تقديره " أنهم آلهة " والثاني بعد " من دون الله " تقديره " لا يستجيبون دعاءكم " والجملة تكون هكذا " قل ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله لا يستجيبون لكم " .